fbpx
اليوم الخميس 4 يونيو 2020 - 7:18 مساءً

Alternative content

Get Adobe Flash player

أخر تحديث : الإثنين 15 فبراير 2016 - 12:49 مساءً

من فقه إدارة الدعوة (2) التدريب العملي

من فقه إدارة الدعوة (2) التدريب العملي
بتاريخ 29 أكتوبر, 2013

من فقه إدارة الدعوة (2)

التدريب العملي

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فقد تعرضنا في المقالة السابقة لأهمية التخطيط الدعوي، ونعرض في هذه المقالة لأهمية التدريب العملي:

P ومما ينبغي أن يكون متقررًا أنه إذا اكتمل شأن التخطيط وأُحكم أمر الإعداد فإن التدريب العملي ينبغي أن يسبق التنفيذ الفعلي، والتدريب في ساحة الدعوة هو الذي يسد الثغرة ويردم الهوة بين الدراسة النظرية في الكليات والمعاهد الشرعية وبين الممارسة العملية في المساجد والمراكز الدعوية والمدارس والمحاضن التربوية والأعمال الإعلامية.

P وإذا كان الدخول إلى الساحة الدعوية بدون تدريب عملي مسبق اكتفاءً بالدراسة النظرية أمرًا عجيبًا فإن الأعجب والأغرب مَن يكتب أو يتحدث موجهًا وناقدًا دون أن يمارس أو يعالج شيئًا من ذلك اعتمادًا على شهادة أكاديمية فحسب!

P ولا شك أن انفصال الجانب العلمي عن العملي مكمنٌ من مكامن الداء، وسبب من أسباب الخلل في الواقع المعاصر في الدعوة والتربية والتغيير.

P ولقد كان أسلافنا الصالحون يدِّربون ناشئتهم بين أيديهم في ساحة التلقي الأولى: المساجد، ففيها تُتلقى العلوم النظرية، وتُرى وتسمع وتمارس التطبيقات العملية، فكان علم الدعوة -تأصيلًا وتنظيرًا- يُتلقَّى مع عملها ممارسةً وتطبيقًا بمشافهة الشيوخ ومخالطة العلماء، وبالممارسة بحضرة الكبار وبالتقويم الحاضر والتوجيه الناجز.

P ومع تقدمٍ في الزمان وتبدلٍ في الأحوال انفصل التعليم عن التدريب، وافتقر التنفيذ إلى التأهيل، فغابت الثمرة المرجوة، وانتشرت الأمية العملية، وصار مألوفًا اليوم أن يرتقي الداعية منبرًا فلا يعجم حرفًا، ولا يقيم لفظًا! ولا يحسن وعظًا!

P ولا شك أن الداعية المؤهل هو الذي تلقى تدريبًا يمكِّنه من مواجهة الناس في المسجد إمامًا معلمًا، وفي الدَّرس مربيًا مرشدًا، وفي مراكز الدعوة والتأثير إداريًا ناجحًا، وقائدًا ميدانيًا موفَّقًا.

P وبسبب من ضعف العناية بالتدريب يتحمل نحو خمسة بالمائة من الدعاة عبء الدعوة في حين يبقى أغلبهم في مقاعد المتفرجين أو المعطَّلين، ولأجل هذا القصور تنكفئ الدعوات على نفسها أكثر من انفتاحها على غيرها بحيث يصير الخطاب داخليًا في معظمه، محليًا في إنتاجه واستهلاكه.

P إن الدعوات الناجحة هي التي تحمل أبناءها على التأهل العلمي والعملي وتضم إلى ذلك العناية بالصلاح الذاتي والممارسة العملية المنضبطة بضوابط المشروعية، والوعي بالتراتيب والسياسات الإدارية والتنظيمية، اللازمة لنجاح مشروعٍ إسلامي.

P ومن اللافت للنظر أن كل أمر ذي بال لا بد من تدريب ومِرانٍ عليه وتأهيل لممارسته، فسياسة الخلق وهداية الأنام قد تبدأ من رعي الأغنام، وفي الحديث: «فما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم» ([1]).

قال ابن حجر ♫: قال العلماء «الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم» ([2]).

P ولما أُمر ÷ بمعالجة الخلق أوجب الله عليه القيام بدلًا من المنام وأنزل عليه ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ [المزمل : 1-2] وعندها قال ☺: «مضى عهد النوم ياخديجة». فلما نزل القرآن متتابعًا كان يدربه عليه جبريل u ويراجعه معه كل ليلة في رمضان ([3]).

P ومن قبل لما مضى قدر الله في موسى u بالتصدي للفرعون الطاغية جرى تدريبه تدريبًا ربانيًا، وتأهيله تأهيلًا إلهيًا، قال تعالى: ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ[طه:39] فلما حانت ساعة البعثة، جاء خطاب التكليف متدرجًا من جهة ومدربًا من جهة أخرى؛ فيؤمر بإلقاء العصا ثم تنقلب أمام عينه حيةً تسعى، ثم يأخذها بيمينه فتنقلب إلى عصا تارةً أخرى، ثم ينزع يده فتخرج بيضاء من غير سوءٍ آيةً أخرى، كل ذلك قبل أن يقع أمام الخلق لئلا تبهر روعةُ الآية موسى نفسه، قال تعالى: ﴿  ﭹ  ﭺ ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ ﮘ  ﮙﮚ  ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ ﮬ  ﮭ  ﮮ ﴾ [طه:17-23].

P وفي سيرة النبي المصطفى ÷ تدريب لأصحابه على الدعوة والتعليم والقضاء بين يديه وبعيدًا – أيضًا – عن ناظريه، فعن على ÷ قال: بعثني رسول الله ☺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال: « إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء » قال: فما زلت قاضيًا أو ما شككت في قضاء بعد([4])، فربما قضى بعض أصحابه أمامه وبإذنه، فعن أبي سعيد الخدري ÷ قال: لما نزلَت بنو قريظة على حكم سعد هو ابن معاذ، بعث رسول الله ☺ وكان قريبًا منه، فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله ☺: «قوموا إلى سيدكم» فجاء، فجلس إلى رسول الله ☺ فقال له: “إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تُسبى الذرية، قال: «لقد حكمت فيهم بحكم الملِك» ([5])،  وعن عبد الله بن عمرو عن عمرو بن العاص قال: جاء رسولَ الله ☺  خصمان يختصمان، فقال لعمرو: «اقض بينهما يا عمرو»  فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله ☺، قال : «وإن كان»، قال: فإذا قضيتُ بينهما فما لي؟ قال:  «إن أنت قضيتَ بينهما فأصبت القضاء، فلك عشر حسنات وإن أنت اجتهدتَ وأخطأتَ، فلك حسنة»([6])،وعن عقبة بن عامر عن النبي ☺  مثله، غير أنه قال: «فإن اجتهدتَ فأصبت القضاء، فلك عشرة أجور، وإن اجتهدتَ فأخطأت، فلك أجر واحد»([7])، وربما عبر بعضهم الرؤيا بين يديه وبأمره، فعن ابن عباس ^ أنه كان يحدث: أن رجلًا أتى رسول الله ☺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون منها فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء؛ فأراك أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ☺ (اعبرها). قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن؛ حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبتُ أم أخطأت؟ قال النبي ☺: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا»، قال فوالله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: «لا تقسم» ([8]).

P وبين يدي عمر تدرَّب أبو موسى على القضاء، وتحت ناظري عمر تعلم وتدرَّب شريح القاضي على أصول التقاضي والفصل بين الخصومات.

ودرَّب أبو الدرداء أهلَ جامع دمشق على تلاوة وتجويد القرآن، وكان أهل حلقته في المسجد يزيدون عن ألف وستمائة ([9])!

وعلى هذا درج السلف الصالح فعُرف في حلقاتهم العرِّيف والمعيد، وهو الذي تدرب على إعادة درس الشيخ بعدَه للطلبة، وقد عُني المربون سلفًا بتدريب من يربونهم بالمخالطة والمشاركة، فتارة تكون التربية على القيام بالتعليم، وأخرى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثالثة على الدعوة والخطابة.

وهناك تدريب على المحاسبة والمساءلة، وتدريب آخر على انتهاز الفرص واهتبالها في ساحة الدعوة والنصح، وإذا كان للدعاة تدريب علمي ودعوي وعملي فلا يمنع هذا من أن يكون لهم تدريب بدني وإعداد جسماني بالفروسية تارة وبالعَدْوِ أخرى، وبالرمي والسباحة تارات، وهكذا لا يقوم عمل جليل إلا ويسبقه تدريب وتأهيل([10]).

والدعوات المعاصرة اليوم عليها أن تفتح ساحات للتدريب والتأهيل في مساجدها ومراكزها الدعوية وأقسامها العلمية والبحثية، بما يؤهل ويهيء أبناءها للقيادة والريادة، ويمكِّنهم من التصدي لتحديات عصرهم، ومتطلبات مجتمعاتهم غير هيَّابين ولا وجلين، وعليه فإن الإعلان عن مؤسسات التدريب في ساحة العمل الإسلامي المعاصر اليوم قد غدا ضرورةً حتميةً لا مفرَّ منها. وللحديث بقية، بإذن الله.



(1) البخاري (2262)

(2) فتح الباري (10/5)

(3) أخرجه البخاري (6، 3220، 3554) ومسلم (2308).

(1) أخرجه أحمد (1342)، وأبو داود (3582)، والنسائي في الكبرى (8363)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/236)، وصححه الألباني في الإرواء (8/226).

(2) أخرجه البخاري (3043)  ومسلم (1768).

(2) أخرجه أحمد (17824)،  قال الهيثمي في المجمع (4/195): رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه من لم أعرفه.

(3) أحمد (17825)، والطبراني في الصغير (131)، وفي الأوسط (1606).

(1) أخرجه البخاري (6639)، ومسلم (2269).

(1) غاية النهاية (1/606-607).

(2) يستفاد من كتاب التدريب وأثره في العمل الإسلامي، د. محمد موسى الشريف، ط دار الأندلس الخضراء.

أوسمة :
UA-47574461-1